الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
230
مناهل العرفان في علوم القرآن
حجتهم وافتضح أمرهم ، وظهر أمر اللّه وهم كارهون . بهذا يتبين لك أن القدر المعجز من القرآن هو ما يقدر بأقصر سورة منه ، وأن القائلين بأن المعجز هو كل القرآن لا بعضه وهم المعتزلة والقائلين بأن المعجز كل ما يصدق عليه أنه قرآن ولو كان أقل من سورة كل أولئك بمنأى عن الصواب ، وهم محجوجون بما بين يديك من الآيات . معارضة القرآن وهل أتاك نبأ الخصم إذ همّوا أن يعارضوا القرآن ؟ فكان ما أتوا به باسم المعارضة ، لا يخرج عن أن يكون محاولات مضحكة مخجلة : أخجلتهم أمام الجماهير وأضحكت الجماهير منهم . فباءوا بغضب من اللّه وسخط من الناس . وكان مصرعهم هذا كسبا جديدا للحق ، وبرهانا ماديا على أن القرآن كلام اللّه القادر وحده ، لا يستطيع معارضته إنسان ولا جان . ومن ارتاب فأمامه الميدان . يذكر التاريخ أن مسيلمة الكذاب ؛ زعم أنه أوحى إليه بكلام كالقرآن . ثم طلع على الناس بهذا الهذر : إنا أعطيناك الجماهر * فصل لربك وجاهر وبهذا السخف : والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا . وأنت خبير بأن مثل ذلك الإسفاف ليس من المعارضة في قليل ولا كثير ، وأين محاكاة الببغاء من فصاحة الإنسان ؟ وأين هذه الكلمات السوقية الركيكة ، من ألفاظ القرآن الرفيعة ومعانيه العالية ؟ وهل المعارضة إلا الإتيان بمثل الأصل في لغته وأسلوبه ومعانيه أو بأرقى منه في ذلك ؟ . يقول حجة الأدب العربي ، فقيدنا الرافعي عليه سحائب الرحمة : إن مسيلمة لم يرد أن يعرض للقرآن من ناحية الصناعة البيانية ؛ إذ كانت هذه الناحية أوضح من أن يلتبس أمرها عليه ، أو أن يستطيع تلبيسها على أحد من العرب ، وإنما أراد أن يتخذ سبيله إلى استهواء قومه من ناحية أخرى ظنها أهون عليه وأقرب تأثيرا في نفوسهم . ذلك أنه رأى العرب تعظم